jueves, 26 de noviembre de 2009

أدب النكتة السياسية

أدب النكتة السياسية

في مطلع الخمسينات من القرن الماضي, قامت مجموعة من الأساتذة و الباحثين المتخصصين في علم الإناسة (أنتروبولوجيا) في جامعة هارفرد المرموقة بإجراء أحد أكثر الأبحاث الأكاديمية حساسية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كانت وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية تريد أن تعرف ماذا ستكون ردة فعل المواطنين السوفييت في حال أقدمت الولايات المتحدة على غزو روسيا. و بناء عليه فقد أجرى علماء الإناسة الأميركيون آلاف المقابلات مع النازحين الروس المقيمين في معسكرات لللاجئين في الغرب. أول ما لفت إنتباه الباحثين, أنه بالرغم من أهوال الحرب و مآسيها و صعوبات الحياة الجمة في بلد خرج من الحرب منتصرا و لكن مدمرا بشكل شبه كامل بفعل البربرية النازية, فإن اللاجئين كانوا يعبرون عن آرائهم و إنفعالاتهم عن طريق إطلاق النكات السياسية. وقد بقيت خطط غزو أميركا للإتحاد السوفيتي حبرا على ورق إلا أن دراسة جامعة هارفرد شكلت أحد المؤشرات المبكرة لنوع فريد من الغزو هو غزو الثقافة الشعبية السوفيتية بسيل لا ينتهي من النكات السياسية. كانت الحرب الباردة في أوجها و كانت تخاض على جميع الجبهات و من ضمنها الجبهة الثقافية كما يبين كتاب فرانسس ستونور سوندورز(السي آي إيه و الحرب الباردة ثقافيا) الذي يوثق بشكل مفصل تمويل وكالة الإستخبارات الأميركيةبشكل سري لنشاطات ثقافية و أكاديمية عبر العالم. ورغم الأهمية الكبرى لثقافة النخب التي ينصب عليها إهتمام سوندرز في ميدان حرب الأفكار فإنه لا يمكن مقارنة قدرة و مدى تأثيرها بالثقافة الشعبية و خصوصا تراث الأدب الشعبي الشفاهي الذي تنتمي اليه النكتة. فالنكتة على أنواعها شكل أدبي شديد الجاذبية لما يضفيه من مرح و حبور على مستقبليه و مرسليه و لسهولة تداوله في الحياة الإجتماعية اليومية. أما النكتة السياسية فتدخل في نطاق الأدب الشعبي التهكمي المعارض للواقع السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي. وكجنس أدبي يتصدى للشأن العام تتمتع النكتة السياسية بمزايا إستثنائية تجعل منها سلاحا نقديا فتاكا. فليس للنكتة السياسية مؤلف معروف بل عدد غير محدود من الرواة الذين يتفنون بسردها و التنويع و الإضافات على النص الأصلي حسب مقتضى الحال و هي تنتشر في صفوف الجماهير إنتشار النار في الهشيم منشئة نوعا من طقوس التواطؤ السري بين الرواة و المستمعين. وقد تحولت النكتة السياسية على أيدي خبراء الدعاية و الحرب النفسية الى فيروس معدي إستشرى في مجتمعات دول المعسكر الشرقي السابق و تجاوزها الى الأجهزة الحزبية و الرسمية نفسها و إنسحب ذلك على الحلفاء من أنظمة تقدمية و حركات تحرر وطني في العالم الثالث. و من الطريف فعلا أن تتنبه الدوائر الإستخباراتية المعروفة بميولها المحافظة و اليمينية الى الدور التحريضي و التعبوي الذي يمكن أن تلعبه النكتة السياسية في حين تكاد تغفل عنه أو تتناساه أحزاب و حركات سياسية تنتسب أيديولوجيا الى اليسار و تتبنى مقولات الإلتصاق بثقافة الشعب الكادح و نظريات المثقف العضوي الغرامشية. فصورة المثقف اليساري في ثوب الكادر الحزبي و من ثم الممسوخ بيروقراطيا سوفيتيا خلف المكتب أو صورة المثقف اليساري المتعطل في المقاهي, المتشدق بمصطلحات معقدة و غامضة, المتبجح بإلحاده و المتعالي على المعتقدات الشعبية ( البالية) هي أبعد ما تكون عن صورة المثقف العضوي. وعلى أي حال لم يكن إستخدام النكتة السياسية تكتيكا عرضيا من تكتيكات الحرب الباردة بل إستمر لعقود و ظل ثابتا من ثوابت حصار و تطويع الإتحاد السوفيتي السابق و نخر معنويات أنصاره. و قد وصل الإهتمام بالنكتة السياسية كسلاح للهيمنة الثقافية الى أعلى سلم هرم السلطة في الولايات المتحدة فالرئيس الأميركي السابق رونالد ريغن و الذي كان يصف الإتحاد السوفيتي السابق في خطبه و تصريحاته "الجدية جدا" ب "إمبراطورية الشر", ، كان يحفظ عشرات النكات السوفيتية و يرويها لضيوفه الرسميين و منهم الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف. و بلغ من ولع ريغن بالنكتة السوفياتية أن أصدر أوامره الى وزارة الخارجية الأميركية بجمع النكات الأكثر نجاحا و إنتشارا و تقديم تقري أسبوعي عنها للرئيس مباشرة. و بلغ العدد الكلي للنكات المقدمة لريغن وحده 15000! و كثيرا ما كان ريغن نفسه أحد شخصيات النكتة المروية كما في المثال التالي: توافي أحدهم المنية و يقضى عليه بسكنى الجحيم. إلا أنه يتبين له أن في العالم الآخر جحيما رأسمالية و أخرى إشتراكية و أن بوسعه أن يختار. ومن البديهي أن صاحبنا يريد المقارنة بين الإثنتين قبل أن يحسم أمره. يتوجه أولا الى جحيم الرأسمالية و هناك عند بوابة الدخول يتراءى له الشيطان و ملامحه مشابهة لملامح رونالد ريغن. يسأل الزائر: "ما نوع الخدمات التي تقدمونها هنا؟" فيجيبه ريغن: "في جحيم الرأسمالية, تسلق بالماء المغلي ثم تقلى بالزيت ثم تقطع نتفا صغيرة بسكاكين حادة." "هذا مرعب", يشهق الرجل. "من الأفضل أن أذهب لألقي نظرة على جحيم الإشتراكية." و يتوجه الرجل الى هناك بالفعل فيطالعه قبل الوصول طابور طويل يمتد حتى البوابة الرئيسية. ينتظم الرجل في الطابور و بعد إنتظار مديد يأتي دوره. عند مدخل جحيم الإشتراكية يتبدى له الشيطان بهيأة رجل عجوز ذي لحية كثة كلحية كارل ماركس. "ما زلت في العالم الحر كارل." يقول الزائر. "و لكن قبل أن أدخل جحيم الإشتراكية, أود أن أطلع على نوع الخدمات التي تقدمونها هنا؟" فيجيبه ماركس بشيء من نفاد الصبر: "في جحيم الإشتراكية, تسلق بالماء المغلي ثم تقلى بالزيت ثم تقطع نتفا صغيرة بسكاكين حادة." "و لكن... و لكن هذا مطابق لما يجري في جحيم الرأسمالية!" يحتج السائل. "لماذا إذا هذا الطابور الطويل من المنتظرين؟""حسنا يتنهد", ماركس. "أحيانا ينقطع عندنا الماء الساخن, أحيانا ينقطع الزيت و أحيانا ليست لدينا سكاكين."

No hay comentarios:

Publicar un comentario